مراجعة كتاب حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شتّى
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتاب جديد بعنوان "حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شتّى" شارك فيه 15 باحثًا وبتحرير الأستاذ محمد حمشي.
في 14 فصلاً، يعالج كل فصل منها موضوعً بحثيًا مرتبطًا بالحراك الجزائري الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وأجبر الرئيس السابق بوتفليقة على الإستقالة بعد 20 سنة في السلطة. ويتطرّق الكتاب إلى عدّة زوايا من الحراك مثل ارتباطاته بالربيع العربي، ودور القوى الأجنبية في الحراك، وحراك المهجر، وغيرها من المواضيع. وفي الأسطر التالي أستعرض أبرز الأفكار التي ضمّها الكتاب بالإضافة إلى خاتمة تضمّ ملاحظات إجمالية حوله.
يناقش الفصل الأوّل المقولة السائدة عن "الاستثناء الجزائري" وعن النموذج الجزائري الفريد من نوعه، والتي تقول مثلاً إن الجزائر كانت سبّاقة إلى الربيع العربي منذ 1988 أو أنّها مختلفة عن باقي البلدان العربية ولم تتأثّر برياح الربيع العربي؛ والاستثناء هنا كما يشير البحث هو استثناء مزدوج، استثناء الغياب (أي غياب الجزائر عن مشهد الثورات العربية في 2011 عكس جيرانها في شرقًا وغربًا) واستنثاء حضور في 2019، حيث شهدت الجزائر نموذجًا احتجاجيًا فريدًا من نوعه، يبدأ بالتسمية نفسها "حراك" وليس "ثورة" من أجل النأي بالنفس عن صورة الثورات العربية التي ارتبطت في الأذهان بمشاهد الحروب والانقلابات والدماء، واستثناء السلمية التامة، وغياب عامل التدخل الخارجي، و"البعد الوطني وتجاوز الانقسامات والولاءات والانتماءات المتعددة الأبعاد، ومواجهة السلطة اللينة للاحتجاجات وحراك المهجر، وإجماع السلطة والحراك على رفض التدخل الخارجي، والتوافق الاستراتيجي بين الداخل والخارج على أن الاستقرار المحلي لازمة للاستقرار الإقليمي". وتختم الدراسة بالوصول إلى إجابة مركّبة تجمع بين خصائص انفراد بها "الاستثناء الجزائري" وأخرى تضعه في سياق حركة إقليمية أوسع وأشمل وظاهرة اجتماعية عابرة للأوطان.
أما الفصل الثاني لمحمد نعيمي، فإنّه يعقد دراسة مقارنة بين الحراك الجزائري والسوداني الذيْن انطلاقا في نفس الفترة الزمنية تقريبًا ونجحا في إجبار رأس النظام على مغادرة الحُكم، وتنطلق دراسة نعيمي من إطار نظري لـ شميتر وجييرمو الذيْن يقسّمان مسارات الانتقال الديمقراطي إلى ثلاثة مراحل رئيسية: مرحلة الاحتجاج والتعبئة الاجتماعية وانبعاث المجتمع المدني، والمرحلة الثانية هي مرحلة التقارب بين المواقف السياسية المتضاربة بين النظام القائم والحركة الاحتجاجية، والمرحلة الأخيرة هي مرحلة التفاوض من أجل تغيير النظام السياسي. ويصل نعيمي إلى استنتاج أن الثورة السودانية التي انطلقت في ديسمبر 2018 نجحت في المرور من المراحل الثلاثة، أي (الاحتجاج - التفاوض - التوافق) بفضل تأطيرها وهيكلتها من طرف تنظيمات سياسية ونقابية من بينها تجمع المهنيين السودانيين؛ بينما عجز الحراك الجزائري عن تجاوز المرحلة الأولى (الاحتجاج والتعبئة) بسبب غياب التأطير والتنظيم وضعف النخب والأحزاب السياسية وعجزها عن تمثيل مطالب الحراك.
إلاّ أن الوضع الذي يشهده السودان متمثلاً في الحرب القائمة بين الجيش السوداني وقوّات الدعم السريع (التي كان دور قائدها حميدتي مصيريًا في مشهد تنحّي البشير) قد يُجبر محمد نعيمي على مراجعة رؤيته لمسار الثورة السودانية ككل. وهذه إحدى معضلات دراسات الثورات والحركات الاحتجاجية، فالأحداث التي قد انتهت للتو (أو يخيّل لنا أنها انتهت) سريعًا ما تفاجئنا بمنعطفات وأبعاد جديدة تعيد تعريف الأحداث ودور مختلف الأطراف فيها. ولا شكّ أنّ بعض السودانيين قد أصبحوا يعتبرون ما حدث في أبريل 2019 - أي مشهد تنحّي البشير - انقلابًا داخل القصر من زعيم الدعم السريع حميدتي للسيطرة على الدولة، وأن الاحتجاجات الشعبية كانت الغطاء لهذا الانقلاب الذي تطوّر إلى حرب داخلية طاحنة أدّت إلى تدمير العاصمة الخرطوم ونهبها؛ وبالتالي فإن الحديث على أن السودان قد نجح في عبور مراحل الانتقال الديمقراطي الثلاث لم يعد له معنى في بلد تثقله الحرب الطاحنة ويتحوّل شعبه إلى لاجئين بالملايين.
أما الفصل الثالث من تأليف ديديي لوساوت فيُعطي قراءة عامة ومختصرة للحراك وأهم محطّاته، كما يركّز على ظاهرة "حراك المهجر" خصوصًا في باريس والتفاعل بين حراك الداخل والخارج وما يسمّيه بظاهرة "الوطنية عن بُعد"، كما يُشير في النهاية إلى تأثر حراك الخارج في فرنسا بالسياسة القمعية التي انتهجتها النظام الجزائري ضد الحراكيين، خصوصًا بسبب "قوائم الإرهاب" التي أصدرتها الحكومة والتي دفعت شرطة باريس إلى الضييق على تجمّعات الحراكيين الجزائريين في باريس ومنعهم مثلاً من استخدام مكبّرات الصوت.
أما الفصل الرابع من تأليف سليم شنّة فيحاول تحليل حضور رموز الهويّة والتاريخ في الحراك، حيث سعى الحراكيون إلى تحرير الرموز الوطنية والثوريّة من أيدي السلطة واسترجاعها وتبنّيها بعد أن أمّمتها السلطة منذ الاستقلال، وأعاد الاعتبار لرموز وشخصيات تاريخيّة هُمّشت طويلًا مثل عبان رمضان أو شعباني أو مصالي الحاج أو الأمير عبد القادر وغيرهم. لا شكّ أن هذا المجهود كان متعمّدًا وواعيًا لبناء تصوّر جديد ومتسقلّ للدولة والأمة الجزائريّتيْن غير مستسلم للسردية الرسمية، وهو ما ينفي الصفة الاحتفالية أو الكارنفالية للحراك التي أراد مناوئوه إلصاق التهمة به.
لكن المؤلف لم يوفّق حين عالج ظاهرة ما يسمّى "الباديسية النوفمبرية"، إذ حاول تصوير القضيّة باعتبارها انقسامًا بين أنصار ما يسمى "الباديسية النوفمبرية" التي جعلها وريثة الحركة الإصلاحية (جمعية العلماء المسلمين) وبين تيّار داخل الحراك يعتبره وريثًا لمؤتمر الصومام، أي أن الحراك حسب قوله شهد صراعًا بين التيار المحافظ من أنصار جمعية العلماء، الموالي لخيار السلطة ولما يسمى بالحلّ الدستوري أي الانتخابات الرئاسية 12/12، وأنصار مؤتمر الصومام الرافضين لهذا الخيار والمطالبين بمرحلة انتقالية؛ وراح يبحث عن جذور هذا الانقسام في سنوات الثورة حيث انضمّت الجمعية إلى الثورة بعد الثورة. وهذا الاستشهاد والإقحام المتكلّف لهذه الوقائع التاريخية وإسقاطها على حراك 2019 بعيد عن الواقع وفيه قدر كبير من التجاوز؛ فالمشهد الحراكي أكثر تركيبًا وتعقيدًا من هذه التسطيحات والاستنتاجات المختصرة، وأنا أذهب في الاتجاه القائل بأن الأغلبية العظمى للحراك كانت لا ترى تعارضًا بين الانتماء إلى إرث النوفمبر والصومام وجمعية العلماء، بل إن شيوخ جمعية العلماء رفقة شيوخ آخرين وقّعوا في 30 ماي 2019، بيانًا يدعمون فيه مطالب الحراك وفي توقيت شديد الحساسية حين أراد القايد صالح الانفراد بالمسار وفرض انتخابات رئاسية في 4 جويلية، ؛ أما محاولة اختلاق تعارض أو صدام بين هذه المكوّنات والمراجع الوطنية فقد كان منهج من أرادوا تقسيم الحراك وخلق اصطفاف أيديولوجي واستقطاب سياسي قصد شقّ الصفوف لخدمة النظام وكسر حالة التوافق والإجماع التاريخي اللذان شكلهما الحراك.
في الفصل الخامس قام محمد حمشي بمقاربة خطابات قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح خلال فترة الحراك باعتبارها نموذجًا للشعبوية أثناء المراحل الانتقالية، واعتبر أن النظام واجه الحراك "بـالخطابة بدل الدبابة" وذلك من خلال إعادة تعريف مصطلحات مثل "الشعب" و"النخبة" لكي تناسب سرديّة محددة تناسب السلطة، فـ"الشعب" أو "النخبة" مصطلحات مائعة تشمل عدّة زوايا وتحمل عدّة تعريفات وهي عبارة عن دلو يستطيع كل طرف أن يملأه بالمدلول الذي يريده، وبذلك عملت خطابات قايد صالح على التفريق بين حراك الشعب المؤيد للمؤسسة العسكرية ولقرارها بالتمسك بما سمي بالمسار الدستوري وبالانتخابات؛ وبين المتآمرين والمغرر بهم ممن يرفعون "مطالب تعجيزية" و"غير مسؤولة" و"خطيرة"، أي باختصار كل المعارضين رؤية القايد صالح حول الحل.
أما الفصل السادس لعبد القادر عبد العالي فيحلّل النظام السياسي ما بعد الحراك من منطلق أنّه نظام "أنوقراطي" ويعني النظام الهجين بين النظام الدكتاتوري والديمقراطي، إذ يستخدم أدوات ديمقراطية وناعمة مثل الانتخابات والمجتمع المدني والتعددية الحزبية والإعلامية من أجل التحكّم في المجتمع وتكريس الهيمنة والتسلّط. ويعتبر الباحث أن حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها السلطة منذ انطلاق الحراك استُخدمت أداة للتصفية السياسية وإبعاد الخصوم في سياق حرب العُصب التي شهدت في البداية انتصار جناح رئيس الأركان أحمد قايد صالح قبل أن يسترجع الجناح الآخر زمام الحكم والمبادرة ويزّج بالفريق الآخر إلى السجن.
كما استعمل النظام السياسي الانتخابات الرئاسية 12 ديسمبر 2019 "لتقسيم الحراك وتجديد شرعيته الدستورية والسياسية، وهو الخيار الذي أصرّ عليه القادة السياسيون فضلاً عن قيادة الجيش في خطبهم وقراراتهم". ثم تطرّق الباحث إلى استراتيجيات السلطة لتجاوز الحراك وذلك من خلال:
1- تجفيف منابع الحراك المادية:
عن طريق الاعتقال الجسدي للمشاركين في الحراك وبعض الشخصيات السياسية وغلق الطرقات أمام حركة المرور ومنع السيارات من الوصول إلى العاصمة، بالإضافة إلى قطع شبكة الانترنت أو إضعاف تدفّقها من أجل منع تقنية البث المباشر من نقل مشاهد الحراك عبر شبكات التواصل، وغيرها من الوسائل.
2- تجفيف منابعه المعنوية:
من خلال تأميم جزء من الحراك واعتباره "أصيلاً ومباركًا" واستبعاد جزء آخر واعتباره "دخيلاً وعميلاً"، واعتبار أن الحراك قد انتهى بتنصيب رئيس جديد، وقد صرّح تبون في حوار له مع صحيفة واشنطن بوست الأمريكية بالحرب "الحراك هو أنا". بالإضافة إلى خلق انقسامات ثقافوية وهوياتية داخل أوساط الحراك واختلاق مواضيع جانبية مثل قضية الراية الأمازيغية أو مكانة الإسلاميين في الحراك وغيرها، وقد استثمر الذباب الإلكتروني كثيرًا في هذه المواضيع من خلال إغراق وسائل التواصل بالأخبار الكاذبة والإشاعات والرسائل العنصرية والتحريضية.
ويُرجع المؤلّف صمود الحراك واستمراره لمدّة تعدّت السنتين مما جعله "أطول حركة احتجاجية عرفتها القارة الإفريقية حسب الباحثة جيسيكا نورثي" إلى خمسة عوامل رئيسية:
1- الحجم العددي الكبير للمشاركين مما شلّ قوّات الأمن وجرّدها من القدرة على القمع
2- سرعة التعبئة الإعلامية للحراك وكثافته بوساطة شبكات التواصل الاجتماعي
3- حالة السخط والتذمر الشعبي إزاء تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاستفزاز الذي مثلته العهدة الخامسة
4- استراتيجية اللاعنف والسلمية لتفادي التصادم مع قوات الأمن (رحيل النظام والمحافظة على الدولة)
5- التأكيد على الحفاظ على المؤسسات والتفريق بين النظام السياسي (كأشخاص وقوانين وأعراف وطرق تفكير) وبين الدولة ومؤسساتها.
يبقى التنبيه على هفوة في هذا الفصل ذكرها المؤلف، تفيد بأنّ شعار "دولة مدنية ماشي عسكرية" تبلور بعد الانتخابات الرئاسية، والحقيقة أن هذا الشعار ظهر باكرًا في جوان 2019 أي قبل خمسة شهور من الانتخابات الرئاسية على الأقل.
أما الفصل الثامن للمؤلف عاد أورابح فيدرس الدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية خلال الحراك الشعبي واستراتيجياتها في احتوائه، بداية بدعم العهدة الخامسة ووصف الحراكيين بـ"المغرر بهم" انتهاءًا بفرض المادة 102 ثم انتخابات 12/12، كما يحلّل دور المؤسسة في النظام السياسي الجزائري بصورة عامة، ثم الأثر الذي لعبه بوتفليقة في صراع العصب بين جهاز المخابرات وقيادة الأركان والذي انتهى بإخراج الجنرال توفيق من المشهد وتفكيك دائرة الاستعلام والأمن، بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي لفنوذ العسكريين من خلال الامتيازات المالية التي يحظون بها وارتباطات كبار الضبّاط برجال الأعمال والأوليغارشيا التي ظهرت خلال فترة انتقال الجزائر بسرعة البرق من الاشتراكية إلى الرأسمالية في التسعينات.
جانب الصواب حين اعتبر أنّ "الجزائر تبنّت عقيدة عسكرية اختارت بموجبها وضعا دفاعيًا وليس هجوميًا لجيشها، وهي بهذا أقرب إلى مصر لتشابه عقيدتيهما العسكريتين". لا تصحّ المقارنة هنا بين عقيدتيْ الجيشين الجزائري والمصري، وإن كانت هنالك تقاطعات في تاريخ تعامل الجيشين مع الديمقراطية والإسلاميين، إلا أن محدّدين رئيسيين للجيش المصري تكمنان في: تلقّيه المعونة الأمريكية، وحمايته للحدود مع اسرائيل، وارتهانه للإشراف الاسرائيلي حسب مقررات اتفاقية كامب دايفيد. ناهيك على أن مصر كانت قد أرسلت جنودًا إلى السودان في السنوات الأخيرة.
أما الفصل الثالث عشر، من تأليف الأستاذ كمال جعلاب، فيدرس "التحولات الدستورية في الجزائر" خلال وبعد الحراك، إلاّ أن ما يُؤخذ على البحث، إصرار الكاتب المؤلف على التمسك بسردية السلطة الفعلية (قيادة الأركان) المتعلقة بـ"المسار الدستوري" رغم انتهاكها الصريح للدستور في عدّة مواضع، منها تأجيل الانتخابات الرئاسية، ودعوة رئيس الأركان إلى الانتخابات الرئاسية من داخل ثكنة عسكرية وغيرها، ناهيك عن إعطاء أي اعتبار إلى "لجنة الوساطة والحوار" التي قادها كريم يونس، والتي افتقرت إلى المصداقية والجديّة، خصوصًا وأن الحراك قاطعها مقاطعة كاملة ولم تجد سوى الجمعيات والهيئات المحسوبة على النظام السياسي لتجتمع معه وتزكّي قرارا السلطة المفروضة مسبقًا. كما يميل البحث إلى اعتبار ما يسمّى "المسار الدستوري" أسلم الحلول لما يعتبره "أزمة" (أي الحراك)، كما يقول أنّه "لا يمكن إنكار التقدم الذي أحرز في عدد من المجالات التي يمكن أن تشكل مناخا مناسبا للإصلاح الديمقراطي".
وفي تحليل الباحث لأهمّ الملاحظات حول دستور 2020 نذكر أربعة وجوه: الأول هو استمرار ظاهرة "شخصنة الدساتير" إذ أن كل رئيس جمهورية في تاريخ الجزائر جاء بدستوره الخاص، والثاني هي العلاقة بين الرئيس والحكومة التي من المفترض أن تنبع من الأغلبية البرلمانية، إذ إن التعديل الدستوري الأخير لم يحلّ إشكالية بروز أغلبية برلمانية من خارج الموالاة؛ ربما لأنّ السلطة السياسية مرتاحة ومطمئنّة من استحالة هذه الاحتمالية. أما الثالث فهو استمرار سيطرة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية باعتبار أن رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء، بينما من المفترض أن يكون القضاء رقيبًا على الجميع من الرئيس إلى الوزير إلى المواطن، كما استُبعد ممثلا البرلمان من المحكمة الدستورية. أما الملاحظة التي لم يُوفّق فيها الباحث فهي إشادته بالمواد المعزّزة للحريات والحقوق وعدم جواز حل الجمعيات والمنظمات إلا بقرار قضائي واعتماد الإخطار في تأسيسها، وحرية التظاهر السلمي بمجرد التصريح، فمن غير المعقول ألا يلاحظ الباحث أن هذه المواد بقيت حبرًا على ورق في ظل الحملة القمعية التي لم تتوقّف على المشاركين في الحراك ورفض منح الاعتماد للعديد من الأحزاب الجديدة. إلاّ أن الباحث في خاتمة بحثه نبّه على أنّ "المسار الدستوري في الجزائر بقي متأخرًا عن مطالب الحراك … في حين بقيت مبادرات السلطة حبيسة مسار دستوري شكلي لم يتجاوز في محتواه "تعديل المعدّل" بهدف إعادة إنتاج النظام بشكل جديد، لكن بالقيم الجوهرية نفسها التي ميّزت النظام القديم" حسب الباحث.
من عيوب الكتاب المرتبطة بهيكيلتيه - باعتباره مجموعة من الأبحاث المستقلة لباحثين متنوّعين تحوم حول موضوع الحراك: التكرار، إذ يعيد أغلب الباحثين التعريف بالحراك وبالظروف التي سبقته وغيرها من التفاصيل التي كان يمكن الاكتفاء بذكرها مرّة واحدة. بالإضافة إلى اجترار نفس الأفكار وتفصيلها في أكثر من بحث، مثل أسباب عدم وصول رياح الربيع العربي إلى الجزائر سنة 2011. أما الإشكالية الثانية في الكتاب فهو محاولته رصد وتوصيف الوضع كما هو دون إعطاء رؤى استشرافية أو تحليلات في العمق من شأنها إفادة المنخرطين في الحراك، فهذا الكتاب موجّه في الأساس إلى شريحة القرّاء التي تريد التعرّف على حراك 2019 من الخارج، خصوصا الجمهور العربي. أما المشاركون فيه ومن عايشوه أو الطامحون إلى قراءة مراجعات وتحليلات نقدية فلن يخرجوا منه بالشيء الكثير.
إجمالاً، لا شكّ أن مثل هذه الدراسات الأكاديمية للحراك شديدة الأهمية لمعالجة مختلف جوانبه من زوايا متنوّعة، كما أن المكتبة الجزائرية تبقى شديدة الفقر فيما يخصّ التأريخ للحراك وتدوين تفاصيله ويومياته، فحدث مفصلي تاريخي بذلك الحجم كان من المفترض أن يحثّ آلاف الأقلام على تدوين تجاربهم وانطباعاتهم ومراجعاتهم النقدية حوله. لازلنا في حاجة إلى كتابات نظرية ومنهجية حول الحراك من داخل مُعسكر المحسوبين عليه، يعالجون فيها جذوره وأسبابه ونجاحاته وإخفاقاته، من أجل تفادي الانقطاع التاريخي والفكري الذي يعاني منه العالم العربي، ولتلافي ظاهرة غياب التدوين والتوثيق الذي لطالما اتّسم بها التاريخ الجزائري قديمًا وحديثًا.

Comments
Post a Comment