نشوء الطبقات في الجزائر - مغنية لزرق

 مغنية لزرق هي عالم اجتماع جزائرية عملت في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي. وهي بذلك تمثّل طفرة في جيلها، جيل الكتّاب والباحثين ما بعد الاستقلال الذي غالبًا ما كان يدرس ويبحث في فرنسا حصرًا، عدا بعض النماذج النادرة مثل المؤرخ أبو القاسم سعد الله الذي درس هو الآخر في الولايات المتحدة.



يقع كتاب مغنية لزرق "نشوء الطبقات في الجزائر" في حوالي 220 صفحة، وهو عدد صفحات ليس بالكبير، لكن أسلوب الكتابة الأكاديمي ولغتها التي تستقي مصطلحاتها ورؤيتها من الأيديولوجيا الماركسية تجعل من الكتاب قراءة وعرة، وإن كانت مُغرية. 

تُعطي الكاتبة نظرة محلّقة لتاريخ الطبقات في الجزائر قبل الاستعمار أو الاقتصاد ما قبل الرأسمالي الذي تقسّمه إلى ثلاثة أنماط: التملّك الحُر، والعرش (الملكية غير القابلة للنقل إلى الغير)، والحبوس والأوقاف، ثم أضاف العثمانيون نمطيْن من التملّك: البايلك (أراضي الحكّام العثمانيين) والعازل (أراضي الحكّام تشغلها القبائل). وكانت تشهد البلاد ثلاثة أنماط من الأرستقراطية: الحكّام العثمانيين، والمخزن (قادة القبائل الموالون للحكّام)، والزعماء الدينيون أو شيوخ الزوايا. أما الطبقات الدنيا فهم الخمّاسة أو الفلاحون البسطاء

دمّر الاستعمار الفرنسي البنى الاجتماعية والطبقية القائمة من خلال استيلائه على الأراضي بصيغها المختلفة (سواء أوقاف أو بايلك أو غيرها) ودفع السكّان إلى الأراضي الأقل خصوبة وفرض العديد من صيغ الضرائب على الجزائريين كما استولى على أراضي القبائل الثائرة ضدّه كما حدث بعد ثورة المقراني والحدّاد وغيرها من الانتفاضات، وهو ما أدى إلى سياسة إفقار الطبقات الاجتماعية. "وأدى القمع السياسي من جانب الحكم الاستعماري إلى تضامن جديد بين الجزائريين تجاوز الأسرة والقبيلة والطبقة، وكان للتناقض بين الإنتاج من أجل اقتصاد استعماري والحرمان من مشاركة سياسية حقيقية عواقب مصيرية بالنسبة للبنية الاجتماعية ككل" تقول الكاتبة. 

تركّز الكاتبة على الخفيات الاجتماعية والطبقية للفاعلين السياسيين في الحركة الوطنية الجزائرية، سواء كانوا أعضاء جبهة التحرير الوطني أو اللجنة الثورية للوحدة والعمل أو الحكومة المؤقتة، ثم بعد الاستقلال كلّ من جماعة بن بلة وبومدين، حيث تركّز من خلال المنظور الماركسي الذي يطغى على اتجاه الكتاب ورؤيته على فكرة صراع الطبقات ومصالحها ووعيها؛ مع بعض الإشارات النادرة بأنّ السلطة الحقيقية تقبع في أيدي العسكريين: "على الرغم من أن معظم أركان الدولة الجزائرية يشغلها مدنيون، فإن العسكريين هم الحكم النهائي. ويمكن أن تصل العلاقات المتطاحنة بين البورجوازية التكنوقراطية والإداريين والبرجوازيين الرائدين اقتصاديا إلى نقطة القطيعة، ومع ذلك فإن قرارهم سيحدده المدى الذي يصل إليه تدخل العسكريين." تقول الكاتبة.


Comments

Popular posts from this blog

مراجعة كتاب "الصراع على تفسير الحرب والسلم" لسيد أحمد قوجيلي

مراجعة كتاب حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شتّى