مراجعة كتاب "الصراع على تفسير الحرب والسلم" لسيد أحمد قوجيلي
مراجعة كتاب "الصراع على تفسير الحرب والسلم" لأستاذ العلاقات الدولية، سيد أحمد قوجيلي، وهو يأتي في حوالي 350 صفحة.
لقد عاد حقل العلاقات الدوليّة ليفرض نفسه بقوّة في مشهد السياسة اليومية، خصوصًا مع الحروب الإقليمية التي تشهدها منطقتنا والعالم، وبرزت أسماء منظّرين كبار في العلاقات الدولية، ربما كان لا يعرفها سوى طلّاب الدراسات العليا، ليتصدّروا شاشات التلفزيون و"البودكاست" مثل منظّر النظرية الواقعية جون ميرشايمر وآخرون. هذا المؤلَّف يتطرقّ في كثير من أجزائه إلى أبعد من مجرد عرض نظريات العلاقات الدولية، فهو يعرضها من منظور ثنائية الحرب والسلم -وهي مواضيع راهنة في وقتنا الحالي- كما أن أن الفصل الأوّل يمكن اعتباره "نظرية النظريات" أو "الميتا نظرية" أي دراسات حول فكرة النظرية نفسها.
**مقدمة نظرية حول "النظرية والمفهوم والقانون"**
يشير المؤلف إلى أنّ أهمية النظرية تكمن في التبسيط، مقابل الواقع المعقد والمركب والذي تتداخل فيه العديد من العوامل والحوادث، ويأتي دور النظرية لمحاولة الفهم من خلال التبسيط والتوضيح والتفصيل، ويؤكد تاريخ العلوم على نجاح النظريات التي كانت صياغتها واضحة وبسيطة وإخفاق النظريات المعقدة والمبهمة. ويشير المؤلف إلى أن الكثير من منظّري العلاقات الدولية يتبنّى الفلسفة الوضعية للاتزامها بضوابط المعرفة العلمية التي تقوم على الملاحظة التفصيلية والاختبار التجريبي الصارم.
ما الفرق بين النظرية والقانون والمفهوم؟ أولاً اهتم العلماء بالوظائف التي تؤديها النظرية أكثر من اهتمامهم بتعريفها، فالنظرية بالنسبة لمورغنتاو هي محاولة لتنظيم المعنى وإضفائه على الظواهر التي تبقى في غيابها غامضة وغير واضحة. وبالنسبة للمؤلف فإن النظرية بناء فكري يجري اختيار وقائع بعينها لتفسيرها على ضوئها، ويطرح المؤلف ضرورة إيجاد "نظرية للنظرية" بمعنا أن ندرس النظريات نفسها من منطلق نظري بحت بغضّ النظر عن الإسقاطات الواقعية أو الإمبريقية. أما المفهوم فهو تعميم منطقي يولد ويخترع بشكل اجتماعي، وفي أثناء اكتشاف النظرية تولد الفئات المفاهيمية أو خواصها من الأدلة التي تستخدم الأدلة التي ظهرت منها الفئات لتفسير المفهوم.
أما الفرضية هي النتائج التجريبية المشتقة من الارتباطات النظرية المنطقية بين المتغيرات التي تنقسم إلى متغيّر تابع ومستقل. وبالنسبة للعلاقة بين النظرية والقانون، فإن الأولى أعم وأشمل من القانون، لأنها تحتوي على ما لا يقل عن قانون واحد أو مجموعة من القوانين المخصصة إلى سلوك أو ظاهرة معينة. وبالنسبة للقوانين فإننا نسأل عن صحّتها وهي تتّسم بالديمومة، أما النظريات فنسأل عن مدى قوّتها التفسيرية، وتتسم بالتغيير والتعديل، وتنطلق النظريات من علاقة بين متغيّريْن محاولة الوصول إلى قانون يربط بينهما. ومن أجل الوصول إلى تفسير ظاهرة ما، إما أن يتم إعادة بناء تاريخي للظاهرة واكتشاف السلسلة التي أدت إلى النتيجة، أو الانطلاق من قانون يفسر الارتباط بين متغيرين ومحاولة الوصول إلى الآليات السببية بينهما.
هل تستطيع نظريات العلاقات الدولية أن تتنبأ بالمستقبل؟ ككل شيء في هذا الحقل، فإن المنظرين منقسمون حول الإجابة.
ففي حين أن علماء هذا الحقل المعرفي يحكمون على القوة التنبؤية للنظرية حسب قوتها التفسيرية، فإذا استطاعت نظرية قائمة أو قديمة تفسير ظواهر راهنة فإن قدرتها التفسيرية والتنبؤية عالية، وقد طالت علماء النظرية الواقعية انتقادات لعدم قدرتهم على التنبؤ بأحداث كبرى كنهاية الحرب الباردة، لكن في المقابل يرى البعض أن النجاح في التفسير وليس التنبؤ هو معيار نجاح النظرية.
الفصل الثاني:
قبل أن ندلف إلى مختلف نظريات العلاقات الدولية، يتطرق المؤلف إلى عملين يعتبران أهم ما كُتب في فلسفة العلوم التي تأثرت بهما مختلف النظريات فيما بعد، أي القاعدة الفلسفية للنظريات، وهذا ربما أعلى مستوى من التجريد.
الأول هو كتاب "بنية الثورات العلمية " لتوماس كون 1962
الثاني كتاب "منهجية برامج البحث العلمي" لاكاتوش 1970
يرى المؤلف أن إطار كون أكثر ملاءمة لاختبار التقدم العلمي من خلال مجموعة من النظريات المتنافسة في شكل نقاشات براديغمية،
أما إطار لاكاتوش فأكثر ملاءمة لاختبار التقدم العلمي داخل النظرية الواحدة. (تقييم النظرية vs مقارنة النظريات)
المفهوم التأسيسي لدى كون: البراديغم
كيف تنشأ النظريات والتقاليد العلمية بالنسبة لكون؟ ظهور البراديغم يدخل العلم مرحلة "العلم العادي"، أي الإطار السائد الذي يعتبر كافيًا لتحقيق تقدم علمي دون ثورة في المجال، وبعد مرحلة معينة تظهر ألغاز وحالات شاذة يعجز "العلم العادي" من تفسيرها وتزداد التناقضات في النظرية، وتحدث "الأزمة"، هنا يظهر مرشح جديد للقب البراديغم ويستبدل الأول بالثاني، يمكن ذكر مثال برادايم كوبرنيكس في الفلك الذي أزاح ما قبله، أو نيوتن في الفيزياء ولاحقا نموذج آينشتاين.
أما في العلاقات الدولية، فيمكن اختبار النظرية الواقعية على ضوء إطار كون: إذ إن الظهور الرسمي للواقعية كان مع كتاب مورغنتاو "السياسة بين الأمم 1948". وكانت فرضيات مورغنتاو الرئيسية تنص على:
- الدول القومية هي الفواعل الأهم في العلاقات الدولية
- تمييز بين السياسة الداخلية والخارجية
- العلاقات الدولية صراعات من أجل القوة
في السبعينات صعدت المؤسساتية النيوليبرالية بديلا عن الواقعية، أصبحت ترى أن البراديغم الواقعي تجاوزه في عالم يتجه نحو الترابط والتشبيك والتبادل والتكامل، واختلفت مع فرضيات مونتغراو من حيث:
- الدولة ليست الفاعل الوحيد في السياسة العالمية
- ليست فاعلاً وحدويًا ولا فاعلاً عقلانيًا
لكن النظرية الواقعية لم تمت بعد صعود المؤسساتية النيوليبرالية، بل بقيت صامدة إلى يومنا هذا كما يمكن المجادلة بأنها تشهد أزهى أيامها من خلال تصدّر بعض رموزها في وسائل الإعلام (ميرشايمر وستسفان وولت) عقب تصاعد الصراع بين الصين والغرب، وروسيا والغرب.
عكس إطار توماس كون، فإن إطار لاكاتوش (منهجية برامج البحث العلمي) قائم على التنافس أو الحوار بين برامج ومقاربات مختلفة للموضوع الواحد، وهو يتكون من أربع عناصر:
- القلب الصلب: محتوى رئيسي ثابت غير قابل للتغيير وإلا سقطت النظرية
- الموجه الكشفي السالب: المسلّمات التي يؤمن بها أنصار البرنامج
- الموجه الكشفي الموجب: إرشادات كيفية الدفاع عن البرنامج
- الحزام الواقي: الأفكار القابلة للتعديل أو التخلي أو التكييف
ويتوقع منهج لاكاتوش أن يكون العلماء "متسامحين إزاء وجهات النظر المعارضة" حسب المؤلف، ويركز على تنافس البرامج والاستفادة من بعضها البعض، عكس منهج كون ذو الطبيعة الحديّة أكثر. في هذا الصدد يقول لاكاتوش: "يجب أن يكون تاريخ العلم تاريخ تنافس برامج البحث (البراديغمات)"
ملخص منهج لاكاتوش: الإصرار (في الدفاع عن البرنامج) والتقبّل (إمكانية التعايش بين برامج بحثية كثيرة)
بالعودة إلى النظرية الواقعية، فإنها مبنية على مقولة مورغنتاو: "السياسة الدولية مثل كل سياسة هي صراع من أجل القوة/السلطة"، وهي مرتبطة بما يسميه "روح السيطرة" التي يرى أنها متأصلة في الطبيعة البشرية.
لكن نظرية مورغنتاو تهمل أحد الحقائق الجوهرية في السياسة الدولية وهي المعضلة الأمنية، محاولة حصولك على أكبر قدر ممكن من القوة أو السلطة على من حولك قد ينقلب ضدك "سعي الدولة لزيادة أمناه يؤدي في النهاية إلى إنقاصه"، وقد سعى والتز من خلال كتاب "نظرية السياسة الدولية" 1979 إلى تلافي المعضلة الأمنية من خلال اعتباره أن الدول "لا تسعى إلى تعظيم القوة إذا كان القيام بذلك يعرّض أمنها للخطر" ، فالقوة بالنسبة لوالتز هي وسيلة وليست غاية في حد ذاتها.
هل توليف الإطارين ممكن (كون ولاكاتوش)؟ يسأل المؤلّف. ويرى البعض أن عمل كُون تجريبي في الأساس حيث يستخدم لكشف الأنماط العامة، أما عمل لاكاتوش "فيستخدم لكشف الأسس المنطقية والمنهجية التي تؤدي إلى إنتاج معرفة موثوقة."
الفصل الثالث: نظرية الحرب وصعود الدراسة العلمية للنزاعات الدولية
من أجل دراسة نظرية جادة للحرب وأسبابها والمتغيرات التي قد تزيد من احتمالية وقوعها من عدمه، احتاج علماء العلاقات الدولية إلى قاعدة بيانات ترصد الحروب وتصنّفها وفق منهجية علمية، وأهم هذه المشاريع التي عملت على إنشاء قاعد بيانات للحروب هو مشروع "ارتباطات الحرب" بقيادة عالم السياسة جاي ديفيد سينغر، وجرى نشر نتائج هذه الدراسة في عدة كتب على مدار السنين، كما أن قاعدة البيانات هذه أصبحت متاحة على الأنترنت للباحثين. اطّلعتُ على قاعدة البيانات ووجدت أنّها تحتوي على مجهود بحثي كبير، لكن هناك بعض التساؤلات التي ساورتني، لماذا لم تضمّ الاحتلال الفرنسي للجزائر كحرب بين الدول؟ ماذا عن حرب الاستقلال الجزائرية؟ (جرى ضم حرب استقلال البوسنة مثلاً). ربما علينا أن نطوّر قاعدة بيانات للحروب من وجهة نظرنا كعرب ومسلمين، وقد أغرتني قاعدة البيانات باستخدامها في تحليل البيانات ونشرها على شكل خريطة تفاعلية مستقبلاً.
بناءًا على قاعدة البيانات التي رصدت الحروب وشدّتها وعدد الخسائر والأطراف المشارك فيها، يمكن للباحثين دراسة أسباب الحرب، وتشمل هذه الأسباب والتفسيرات حسب المؤلف:
- القطبية: تدور نقاشات حول إذا ما كانت الأحادية القطبية أم الثنائية أم تعدد الأقطاب هي عوامل مكرّسة للسلم أم الحرب
- التماس الإقليمي: القرب الجغرافي والصراع على الحدود
- التحالفات: تكون التحالفات أخطر في الفترة التي تعقب تشكلها مباشرة، ثم تنخفض خطورتها مع الزمن
- سباق التسلح
- الاستقرار المهيمن: استقرار النسق الدولي مرتبط بوجود قوة مهيمنة على النظام الاقتصادي (المُقرض الأخير)، وحرب الهيمنة تنتج من تغيّر المكانة الدولية للمهيمن الهابط والمتحدي الصاعد
- الخصائص القومية: ربما هو التفسير الأكثر رواجًا بالنسبة للثقافة الغربية، التي تعتبر أن شعوبًا بعينها بحكم ثقافتها (الدين، العادات، التكوين الاجتماعي، المنهاج التعليمية والثقافية) أكثر قابلية لبدء الحروب (العنف) من غيرها، بينما تتميّز الشعوب الغربية بثقافة الحوار والديمقراطية والسلام.
- الدورات الاقتصادية
- الردع النووي
- المنفعة المتوقعة
بالإضافة إلى أسباب أخرى متنوعة يمكن مطالعتها في الكتاب. ويدرس الفصل بعض الفرضيات التي تحاول العلاقات الدولية الإجابة عنها، مثل هل هناك ارتباط بين الحرب والتنمية الاقتصادية؟ هل يقود سباق التسلح إلى اندلاع الحرب أم إلى تفاديها؟ هل تميل الحكومات إلى افتعال الحروب من أجل التشتيت عن مشاكلها الداخلية؟
وقد تحدّث الكاتب أيضًا عن ظاهرة "حالات التنافس المستديمة" وهي الصراعات العسكرية المستمرة بين طرفين، عكس التنافس الاستراتيجي الذي لا يلزم أن يكون عسكريًا بالضرورة. وقد سرد المؤلف أمثلة عن حالات التنافس الاستراتيجي، من بينها الجزائر والمغرب، ولا أدري لماذا وضع المؤلف سنة 1984 تاريخًا لهذا التنافس الاستراتيجي، فلا أعلم حدثًا مهمًا مرتبطًا بالصراع بين البلدين جرى في هذه السنة تحديدًا.
"ليس هنالك سبب وحيد للحرب، بل هناك أسباب كثيرة ونظرية عدة لتفسيرها".. يلخص الكاتب الفصل بهذه العبارة الجامعة.
الفصل الرابع: أسباب الحرب في النظرية الواقعية
النظرية الواقعية، من شدة اهتمامها بالحرب سُمّيت "نظرية الحرب"، ويستند الواقعيون إلى أعمال تاريخية كلاسيكية كثيرة مثل ثيوكيديديس (تاريخ الحرب البيلوبونيزية) ومكيافيلي (الأمير) وسن تسو (فن الحرب) وتوماس هوبز (الليفياثان ، حالة الطبيعة) ، ولعل أهم عمل ركّز على الحرب هو كتاب جنرال بروسيا كلاوسفيتز (عن الحرب) وتعريفه الشهير للحرب بأنها "استمرار للسياسة بأدوات أخرى".
ربط الواقعيون الكلاسيكيون أسباب الحرب بالطبيعة البشرية، إذ يتفق نيبور ومورغنتاو على أن الحرب تحدث "بسبب الأنانية والاندفاع العدواني المضلل والغباء"، لكن هذه النظرية أثبتت محدوديتها.
لاحقا طوّرت الواقعية البنيوية أسباب الحرب وربطتها بمستوى النسق، أي في التناقضات الكامنة في بنية النظام الدولي، ولا تربطها بالطبيعة البشرية، وبما أن سمة الدولة هي الأناركية، أي عدم وجود سلطة عليا تعمل حكمًا بين الدول في ساحة الصراع الدولي فإن القوة هي البديل للحفاظ على مصالح كل دولة وضمان بقائها، وهي تقريبا نفس فكرة ليفيانثان هوبز ولكن على مستوى دولي وليس محلي.
تنقسم النظرية الواقعية إلى:
1- واقعية هجومية (مثل ميرشايمر)، حيث يعتبر أنصار هذه النظرية أن الدول تحرّكها دوافع القوة والهيمنة على محيطها الإقليمي. يرى ميرشايمر أن أناركية النظام الدولي تنتج عنه: غياب الثقة بين الدول، واعتماد كل دولة على نفسها للدفاع عن أمنها ومصالحها، فلا يوجد قضاء أو هيئة عليا يمكنها أن تحفظ حقوقك في ساحة الصراع الدولي، أي أن أنصار الواقعية الهجومية لا يلقون أي اعتبار لما يسمى محاكم دولية أو مجلس أمن أو أمم متحدة بصورة جادة. كما يعتبر أنصارها إلى اعتبار الثنائية القطبية أكثر حفظًا للسلام، ويميل الهجوميون إلى اعتبار أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، إذ إن التاريخ يقول أن من يبادر إلى الهجوم هو غالبًا من يفوز بالحرب. وهذا مثير للاهتمام كون أن البعض قد يظنّ أن أنصار هذه النظرية سيكونون من المحافظين الجدد والمؤيدين للحروب الأمريكية بلا نقاش، لكن ذلك غير صحيح، فمواقف ميرشايمر الناقدة بشدة للحرب في غزة وأوكرانيا خير دليل، لكن في المقابل هو يرى أن الصين تمثل خطرًا حقيقيًا على الولايات المتحدة.
2- واقعية دفاعية: ترى أن دوافع الدول هي المحافظة على أمنها وبقائها فقط، فسعيها إلى القوة بصورة غير محدودة قد يكون على حساب أمنها وبقائها.
السادس: الواقعية النيوكلاسيكية
الواقعية النيوكلاسيكية هي توليفة بين الواقعية الجديدة من خلال التركيز على "السياسة الخارجية" بدل السياسة الدولية، من خلال الأخذ بعين الاعتبار أن الدول لا تفكر أو تتخذ قرارات مثل الحرب والسلم ككيانات عاقلة، بل إن هذه السياسات مرتبطة برجال دولة وصناع قرار لهم انحيازاتهم وتكوينهم الثقافي والأيديولوجي ورؤيتهم الخاصة للإنسان والعالم، كما يعتبرون أن قوة الدول ليست معطى بديهيا بل هي صناعة يقوم عليها أشخاص من لحم ودم دورهم هو استخراج مكامن القوة وتعبئتها لصالح الدولة، عكس الواقعيين الذين ربما يرون أن قوة الدولة مُعطى بديهي مرتبط بمواردها الطبيعية والبشرية.
كما يرون استحالة قياس قوة الدول بصورة دقيقة.
ربما قد يرى البعض أن الإضافات التي جاء بها جماعة الواقعية النيوكلاسيكية هي مجرد حاشية على متن الواقعية الجديدة، قام به طلاّب دراسات عليا متحمسون لفرض اسمهم في عالم ما بعد الاتحاد السوفياتي والأحادية القطبية؛ وقد يعتبر البعض أن الواقعية النيوكلاسيكية تناقض مع أحد المبادئ التي طرحتها "نظرية النظرية" كما جاء في بداية الكتاب من حيث أن إحدى أهم شروط النظرية أن تكون مسلّماتها وشروطها الأوليّة بسيطة وواضحة، كما هو الحال مع النظرية الواقعية سواء الهجومية أو الدفاعية التي يمكن تلخيصها في جدلية (السعي نحو القوة / الأمن والاستقرار) ويمكن رصد جذورها في "الريال بوليتيك" الألماني وكتابات مكيافيلي وكلاسفيتز، أما الواقعية النيوكلاسيكية فهي من التعقيد ما قد يعتبره القارئ العام فذلكة وإطنابًا أكاديميًا بلا داعٍ.
الفصل السابع
يتطرق الفصل السابع إلى التفاعلات عبر القومية ونماذجه سواء من خلال نموذج السياسة العالمية حيث تتمثل هذه التفاعلات في الاتصال والنقل وحركة الاموال وحركة الاشخاص، ثم نموذج الحكم العالمي من خلال الهيئات الأممية والمحاكم الدولية والمنظمات والتكتلات الاقتصادية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية في إطار النظام الدولي الجديد.
وهنا يحدث التناقض والجدل بين مركزية الدول وقوة العلاقات العابرة للدول والشركات متعددة الجنسيات، فهل لا تزال الدول تمارس سيادتها أم إن هذه الهيئات والمؤسسات العابرة للدول أصبحت تتحكم في قرارات الدول وتنتهك سيادتها؟ كما إن الكثير من المشاريع والأجندات الخاصة بدول بعينها أصبحت تتخفى خلف الهيئات والمؤسسات الأممية من أجل التدخل في شأنها الداخلي باسم حقوق الانسان وحماية الاقليات
الفصل الثامن المؤسساتية النيوليبرالية
جاء في الكتاب:
"تمثّل المؤسساتية النيوليبرالية في نظرية العلاقات الدولية المقاربة النظرية التي تؤكد إمكان التعاون في السياسة العالمية، وتركز على دور المؤسسات (والمعلومات) في إنشاء الترتيبات التعاونية."
أهم ما في الفصل هو نموذج "معضلة السجين" وهي لعبة تخيلية تحاول نمذجة سلوك الدول في بيئة أناركية بلا حَكَم، خلاصتها أن ما يحكم سلوك الدول بين بعضها البعض هو الشك والريبة واعتبار أن الطرف الآخر يُضمر شرا، وبالتالي فإن الخيار العقلاني هو عدم التعاون أو "الارتداد" ، مقابل نموذج لعبة "صيد الأيل" التي خلاصتها أن التعاون يحصّل فوائد أكبر لكن الارتداد يحصل فوائد أضمن وإن قلّت. لكن واقع السياسة الدولة أعقد من هذه الألعاب التجريدية فهو عبارة عن جولات مستمرة وبالتالي فإن مصداقية الدول وتاريخها ومدى التزامها هي عوامل تدخل في أي حسابات قادمة (ظل المستقبل)، يؤكد المؤلف.
ويشرح المؤلف نظرة المؤسساتية الليبرالية لدور المؤسسات الدولية في حفظ الأمن والسلام في العالم من خلال وضع قواعد وترتيبات وأعراف بين الدول:
"كلما زادت مأسسة السياسة العالمية، انخفضت المخرجات الخبيثة للأناركية، وزادت احتمالات سيادة الترتيبات التعاونية في النسق الدولي."
الفصل التاسع
ظهرت العديد من الأطروحات التي تتحدى مركزية الدول مقابل المقاربات العابرة للدول في سبيل تحقيق ااسلام.
من بين هذه المقاربات، طرح ميتراني الذي يرى ان مشاكل العالم في الاساس تقنية إدارية وليست سياسية ويسمى هذا التيار "بالوظيفية" وبالتالي على التكنوقراطيين التعاون لحل مشاكله بشكل جماعي وعدم الالتفات للسياسة وهو ما من شأنه تحقيق السلام. وهي نظرة شديدة السذاجة أو المثالية.
الطرح الثاني: الوظيفية الجديدة ، التكامل الاقليمي بدل التكامل العالمي. ودرة تاج هذا الطرح هو نموذج الاتحاد الأوروبي حيث أن " عملية التكامل الأوروبي أصبحت عند الوظيفيين الجدد القفاز الذي يخوضون به نزالهم مع الدولة القومية والنظرية الواقعية" وذلك من خلال مراكز الأبحاث ومكاتب الاستشارات التي تصنع "حلولا" ومخططات عابرة للدول وتركز على الفعالية التقنية، بعيدا عن ملعب السياسة، ربما نستحضر هنا تغوّل هذه المكاتب والهيئات لدرجة أنها أصبحت تصنع الرؤساء، مثلما هو الحال مع فضيحة ماكرون ومكتب "ماكينزي" للاستشارات.
إذن، جاءت نظرية "الليبرالية ما بين الحكومية" لتهزم الوظيفيين الجدد حيث أعادت الاعتبار لسيادة الدولة وفق أسس ليبرالية تعاونية مبنية على تقارب الرؤى والتفضيلات بين السياسيين، لا المنظمات العابرة للقومية، أو هكذا يتصور الأكاديميون. وقد أثبت صعود اليمين المتطرف والحركان القومية وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي على تغلغل الفكر القومي حتى لدى شعوب أكثر تجربة اندماج ناجحة.
الفصل العاشر
أحد أكثر الفصول غزارة وتفصيلاً، إذ يتناول فكرة "السلام الديمقراطي" أو لماذا لم يسبق أن تحارب بلدان ديمقراطيّان؟ ويتطرّق الكاتب إلى العديد من النظريات التي حاولت تفسير هذه الظاهرة من مختلف الزوايا، فالتفسير المعياري يرى أن السلام الديمقراطي يكمن في القبول المتبادل للمعايير التي تقوم عليها العمليات والمؤسسات الديمقراطية، أما النموذج البنيوي فيحاجج بأن البنية الديمقراطية للدولة تمنعها من دخول الحرب، وذلك بسبب القيود السياسية التي تفرضها الديمقراطية من محاسبة شعبية ورقابة برلمانية وإعلام ورأي عام ومجتمع مدني وغيرها؛ كما يؤكّد آخرون بأنّ خيار السلام بالنسبة للديمقراطية نابع من حسبة اقتصادية وسياسية بحتة، فخيار المساومة والتفاوض والحلول السلمية أقل تكلفة من الحرب.
وخلاصة قضية السلام الديمقراطي كما أفهمها هو أن القضية مرتبطة بالحوافز، فالديمقراطيات توفّر حوافز أكثر للمسؤولين من أجل تجنب الحرب بسبب تكلفتها السياسية (كاحتمال خسارة المسؤولين لمناصبهم) والاقتصادية نتيجة تكلفة الحرب؛ عدا ما ذكره المؤلف من أن فترة السلام الديمقراطي تظلّ نسبية ومحدودة ومرتبطة بالحرب الباردة ومصلحة هذه الدول في التوحد ضد الشيوعية، وبالتالي فالسلام الديمقراطي "نتيجة ضرورات بنيوية للنسق الدولي" فحسب.
الفصل الحادي عشر
يطرّق هذا الفصل إلى نظرية جديدة هي "العلاقات الدولية النقدية"، وهي تزاوج بين حقل العلاقات الدولية والنظرية النقدية التي أسستها مدرسة فرانكفورت، والتي تحاول دراسة الظواهر ليس من منظور تفسيري فحسب ولكن من منظور "تحريري" حيث تسعى إلى استكشاف الأُطر السلطويّة الكامنة في مختلف النماذج الفكرية (أدورنو وهوركهايمر ونقدهما للحداثة) والنماذج العلمية ( نقد فوكو للمدرسة) أو اللغوية (ديريدا) أو الاقتصادية أو غيرها ، والتي حاولت أن تُطلقًا تيارًا نيوماركسيًا نقديًا في الأكاديميا الغربية، وهو ما عُرف لاحقًا بتيار ما بعد الحداثة. وهي بذلك تختلف مع النظرية الواقعية التي ترى فيها تكريسًا لواقع سلطوي يخدم القوى العظمى المهيمنة.
يتطرق الفصل الأخير إلى النظرية البنائية، التي تعطي اعتبارًا للبُعد الاجتماعي والهوياتي والتفاعلات الإنسانية بين مختلف الأطراف في الساحة السياسية، ولا تكتفي بـ"الحقائق الصلبة" التي تعتمدها النظريات الواقعية حول فائض القوة مثلاً، فبالنسبة للصين والولايات المتحدة، تنظر البنائية إلى العلاقات الاقتصادية والسياسية ومحاولات الاحتواء من طرف الولايات المتحدة للصين، ولا تكتفي بحساب عدد الرؤوس النووية للطرفين أو كم يملكان من قطعة بحرية عسكرية، أن النبائية وللمفارقة، عكس ما يُوحي اسمها، تركز على العملية، وليس البُنية؛ فهويتك هي ما تخلق مصالحك.

Comments
Post a Comment